الاثنين، 2 مارس 2026

جامع الزيتونة المعمور.. نفحات رمضان تتعانق مع عبق التاريخ في قلب تونس

 

جامع الزيتونة
جامع الزيتونة 

جامع الزيتونة المعمور.. نفحات رمضان تتعانق مع عبق التاريخ في قلب تونس

في قلب المدينة العتيقة بالعاصمة التونسية، يتزين جامع الزيتونة المعمور بحلة رمضانية خاصة، إذ تتضاعف أعداد المصلين مع حلول شهر الصيام، وتتعالى في أروقته تلاوات ندية بأصوات شابة تختمها أدعية جماعية في صلاة التراويح.

ويُعد الجامع ثاني أقدم مسجد في تونس بعد جامع عقبة بن نافع، كما يُصنَّف الأكبر من حيث المساحة والبنيان في البلاد، إذ يمتد على نحو خمسة آلاف متر مربع، ويضم تسعة أبواب، وتقوم قاعته الداخلية على 184 عمودًا جُلبت من الموقع الأثري بقرطاج، في مشهد يعكس ثراء زخرفته وتناسق هندسته المعمارية.

ومع اقتراب موعد صلاة العشاء، تتقاطر الجموع فرادى وجماعات نحو الجامع، بعضهم يحمل سجادته الخاصة، أملاً في الظفر بمكان داخل الأروقة الرحبة. وما إن تنتهي الصلاة حتى ينتشر المصلون في أزقة المدينة العتيقة، بين عائد إلى منزله لاستكمال السهرة العائلية، وآخر يقصد المقاهي والفضاءات المحيطة لمواصلة الأجواء الرمضانية.

ويؤكد الشيخ محرز الباهي  أن جامع الزيتونة يشهد ختم القرآن كاملًا خلال صلاة التراويح طيلة الشهر، وسط حضور كثيف من مختلف المناطق، لافتًا إلى أن الإقبال يتضاعف بداية من ليلة النصف من رمضان، ويبلغ ذروته خلال العشر الأواخر.

تاريخيًا، بُني الجامع سنة 79 هجرية (698م) على يد القائد العربي حسان بن النعمان الغساني، والي إفريقية في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وكان له دور بارز في الفتوحات الإسلامية بالمغرب العربي. وشهد الجامع توسعات مهمة في العهدين العباسي والحفصي، كما أضاف الأغالبة لمسات معمارية وزخرفية في عهد الأمير الأغلبي أبي إبراهيم أحمد (856–864م)، قبل أن تتواصل أعمال التجديد في العصر الفاطمي على أيدي الولاة الصنهاجيين.

ومن هذا الصرح العريق انبثقت “مدرسة الزيتونة” التي تُعد أول مدرسة فكرية في إفريقيا، وأسهمت في نشر الثقافة والفكر الإسلاميين. كما تخرج في جامعته عدد من الأعلام، من بينهم المؤرخ وعالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون صاحب “المقدمة”، والفقيه محمد بن عرفة، والمفسر الطاهر بن عاشور، وشيخ الأزهر الأسبق محمد الخضر حسين، والمصلح عبد العزيز الثعالبي، والشاعر أبو القاسم الشابي، والمفكر الطاهر الحداد.

أما عن تسميته، فتشير روايات إلى أنه أُقيم في موضع كانت به شجرة زيتون، فيما تقول أخرى إنه شُيّد فوق كنيسة قديمة كانت تضم رفات القديسة “أوليف”، وهو ما يفسر ارتباط الاسم بالزيتونة.


SHARE

Author: verified_user

0 Comments: